يُولد الإنسان وهو يحلم بحياةِ لا تُكلفه شيئاً ؛ طريقِ بلا عثرات، ونجاحِ بلا سهر، وحبَ بلا خوف، وطمانينةِ بلا خسائر، لكن الحياة، منذ أول درس تلقنه لنا، تهمس بحقيقةِ لا تتغير: كلُ ما له قيمة …له ثمن.
إنها لا تمنح، بل تقايض. لا تفتح باباً إلا لتغلق آخر، ولا تضع في يدك نعمةً إلا وتترك في اليد الأخرى مسؤولية.
فالعملُ يستهلك ساعات العمر، لكن البطالة تلتهم قيمة العمر نفسه. والزواجُ يُثقل الكتفين بالمسؤولية، لكن العزوبية قد تُثقل القلب بفراغِ لا يراه أحد. والغربةُ تُوجع الحنين، أما البقاء، فقد يُوجع الأحلام حتى تذبل وهي لم تغادر مكانها قط.
حتى الأشياء التي تظنها متناقضة.. تتشابه في قانونها؛ فالصمت يحمل ضريبته والكلامُ يحمل ضريبته، والقربُ يخشى الفقد، والبعدُ يصنعه.
ولعل أعظم خدعةِ يبيعها العقل لصاحبه، أنه يقنعه بوجود طريقِ لا يدفع فيه شيئًا. فيظل يهرب من تعبِ إلى تعب، ومن ثمنِ إلى ثمن، وهو يظن أنه يقترب من الراحة، بينما هو لا يفعل سوى تبديل أسماء المعاناة.
الحقيقة أبسط من ذلك،وأقسى.
لسنا أحرارًا في أن نختار بين الألم والراحة؛ لأن الراحة الكاملة ليست من لغة الحياة نحن أحرار فقط في أن نختار أيُّ ألمِ يستحق أن نحمله، وأيَُ ثمن يستحق أن، ندفعه.
فثمة تعبُ يمرُ بك كما تمرُ النار بالذهب، يحرق شوائبه ويتركه أكثر صفاءً. وثمه تعبُ آخر يمرُ بك كما يمرُ الصدأ بالحديد؛ لا يزيده إلا هشاشةُ وتآكلا.
ومن هنا، لا يُقاس نجاح الإنسان بعدد الجراح التي نجا منها، بل بعدد الجراح التي منحته معنى. فليس كل نزيفِ خسارة، وليس كل سلامةِ نجاة.
لذلك، لا تسأل الحياة يومًا: أين الطريق السهل؟ فهذا سؤالُ لن تجد له جواباً.
اسألها سؤالاً واحدًا فقط:
أيُ طريقٍ؛ إذا دفعتُ ثمنه كاملاً، سأصل في نهايته إلى نسخةِ من نفسي تستحق كل ما خسرته في سبيلها؟



